محمد هادي معرفة

77

التمهيد في علوم القرآن

قد مرّت عليك قصّة النفر من فصحاء قريش أزمعوا ليعارضوا القرآن ، فعكفوا على لطيف الغذاء من لباب البرّ وسلاف الخمر ولحوم الضأن والخلوة ، حتى بلغوا مجهودهم ، فإذا فوجئوا بنزول هذه الآية ، فطووا ما أزمعوا ويئسوا ممّا طمعوا فيه ، وعلموا أنه لا يشبه كلام مخلوق « 1 » . الأمر الذي دعا بعلماء الأدب والبيان أن يجعلوا هذه الآية بالذات موضع دراستهم والبحث عن مزاياها الخارقة ، فخاضوا عبابها واستخرجوا لبابها في عرض عريض . وممّن أجاد في هذا الباب هو الإمام أبو يعقوب السكاكي في كتابه « مفتاح العلوم » فبعد أن تكلّم عن شأن البلاغة وعجيب أمره ، وأنه ممّا يدرك ولا يوصف - كاستقامة الوزن تدرك ولا يمكن وصفها ، والملاحة يبهر حسن منظرها ولا يستطاع نعتها . . . وأضاف أنّ مدرك ( الإعجاز ) هو الذوق ليس إلّا ، وطول خدمة علمي المعاني والبيان . . . ذكر شاهدا على ذلك متمثلا بالآية الكريمة ، ومعرّجا على تعداد مزاياها ومفارقاتها عن سائر الكلام ، قال : وإذ قد وقفت على البلاغة وعثرت على الفصاحة المعنوية واللفظية ، فأنا أذكر - على سبيل الأنموذج - آية أكشف لك فيها عن وجوه البلاغة والفصاحتين ، ما عسى يسترها عنك . ثم إن ساعدك الذوق أدركت منها ما قد أدرك من تحدّوا بها ، وهي قوله - علت كلمته - : « وقيل يا أرض ابلعي ماءك ويا سماء أقلعي وغيض الماء وقضي الأمر واستوت على الجوديّ وقيل بعدا للقوم الظالمين » . قال : والنظر في هذه الآية من أربع جهات : من جهة علم البيان ، ومن جهة علم المعاني - وهما مرجعا البلاغة - ومن جهة الفصاحة المعنوية ، ومن جهة

--> ( 1 ) العمدة لابن رشيق : ج 1 ص 211 ، وراجع الجزء الرابع من التمهيد : ص 202 .